مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

حقيقة الاختفاءات في مثلث برمودا.. هل المثلث موجود أصلًا؟!

 


لا أحد يختفي في الهواء.
السفن تغرق، والطائرات تسقط، والحطام يفترض أن يبقى في مكان ما.
لكن ماذا يحدث عندما لا نجد شيئًا؟
عندما تخرج سفينة تحمل مئات الأشخاص فلا تصل، أو تقلع خمس طائرات في مهمة تدريبية ثم تنقطع أصواتها فوق المحيط، أو تخرج طائرة للبحث عنها فلا تعود هي الأخرى؟

هنا لا تبدأ قصة مثلث برمودا فقط.

هنا تبدأ حاجتنا إلى إيجاد إجابة.

فعلى مدى عقود، وقعت في جزء واسع من المحيط الأطلسي حوادث حقيقية يصعب تجاهلها. سفن فقدت، وطائرات لم تعد، وأشخاص خرجوا في رحلات كان يفترض أن تكون عادية، ثم تركوا وراءهم سؤالًا واحدًا:

ماذا حدث؟

ومع مرور السنوات، بدأت تلك الحوادث تبدو كأنها نقاط على خريطة واحدة. سفينة هنا، وطائرة هناك، واختفاءات بلا إجابات نهائية.

كان من السهل أن يبدو الأمر وكأن شيئًا ما ينتظر من يدخل تلك البقعة من المحيط.

شيئًا لا نراه، لكننا نعرف اسمه:

مثلث برمودا.

على الأقل… هذا ما اعتقدناه.

لأن أغرب شيء في قصة مثلث برمودا قد لا يكون السفن التي اختفت، ولا الطائرات التي لم تعد.

قد يكون المثلث نفسه.

ولكي نفهم لماذا، علينا أن نعود إلى زمن لم يكن العالم يعرف فيه أصلًا أن هناك شيئًا بهذا الاسم.

في مارس عام 1918، كانت الحرب العالمية الأولى لا تزال مشتعلة عندما غادرت سفينة ضخمة تابعة للبحرية الأمريكية تدعى USS Cyclops جزيرة بربادوس متجهة إلى بالتيمور.

كانت تحمل آلاف الأطنان من خام المنجنيز، وكان على متنها 306 أفراد. لم تكن قاربًا صغيرًا يمكن أن يضيع بسهولة وسط البحر، بل سفينة يزيد طولها على 160 مترًا.

غادرت بربادوس…

ثم اختفت.

لم يصدر عنها نداء استغاثة معروف، ولم تصل رسالة أخيرة تعلن وجود كارثة، ولم تصل السفينة إلى الميناء.

بدأ البحث، وانتظرت العائلات، ومرت الأيام ثم الأسابيع، لكن المحيط لم يعد إليهم شيئًا.

لا ناجين، ولا حطامًا مؤكدًا، ولا حتى مكانًا يمكن أن نقول عنده:

هنا انتهت الرحلة.

كانت الولايات المتحدة تخوض حربًا، ولذلك طُرح احتمال أن تكون السفينة قد تعرضت لهجوم ألماني، لكن لم يظهر دليل يثبت ذلك. ومرت السنوات ثم العقود، وظل مصير USS Cyclops مجهولًا.

أكثر من 300 فرد اختفوا معها.

والأغرب أن أحدًا لم يقل يومها إن “مثلث برمودا” ابتلعهم. لم يتحدث أحد عن أطلانتس، ولا بوابة زمنية، ولا قوة مجهولة تحت المحيط.

لسبب بسيط جدًا:

“مثلث برمودا” لم يكن قد ولد بعد.

لكن البحر لم يكن قد انتهى.

فبعد 27 عامًا، وقعت الحادثة التي أصبحت لاحقًا أشهر قصصه على الإطلاق.

هذه المرة لم تختف سفينة.

بل اختفت خمس طائرات في يوم واحد.

كان ذلك في الخامس من ديسمبر عام 1945.

أقلعت خمس طائرات عسكرية أمريكية من طراز TBM Avenger من قاعدة فورت لودرديل في فلوريدا، وعلى متنها أربعة عشر رجلًا.

كانت المهمة تدريبية وروتينية. ساعات قليلة في الجو، ثم العودة إلى القاعدة.

في البداية، لم يكن هناك ما يوحي بأن هؤلاء الرجال لن يعودوا. لكن الاتصالات بدأت تكشف ارتباكًا متزايدًا بشأن موقع الطائرات واتجاهها.

كان قائد الرحلة، الملازم تشارلز تايلور، طيارًا متمرسًا خدم في الحرب العالمية الثانية، لكنه لم يعد واثقًا من مكانه. فقد أبلغ عن مشكلات في البوصلة، وأصبح تحديد الموقع أكثر صعوبة.

وكان البحر في الأسفل يبدو متشابهًا في كل اتجاه.

هبطت الشمس، وتدهور الطقس، وانخفض الوقود، وبدأ النهار يتحول ببطء إلى ليل.

تخيل المشهد.

خمس طائرات فوق محيط يمتد حتى الأفق. كل قرار في الاتجاه قد يقرب الرجال من اليابسة، أو يأخذهم أبعد منها. وفي مكان ما على الأرض، كانت أجهزة اللاسلكي تستقبل أصواتهم وهم يحاولون معرفة أين هم.

ثم ضعفت الاتصالات…

وانتهت.

خمس طائرات.

أربعة عشر رجلًا.

ولا أحد يعرف أين انتهت رحلتهم.

بدأ البحث، وأقلعت طائرة من طراز PBM Mariner وعلى متنها ثلاثة عشر رجلًا للمشاركة فيه.

لكنها لم تعد هي الأخرى.

وفي ساعات قليلة، أصبح العدد 27 رجلًا في ست طائرات.

ومن هنا كان من السهل أن تولد واحدة من أكثر صور القصة إثارة: خمس طائرات تختفي، ثم تختفي الطائرة التي خرجت للبحث عنها.

لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.

فهناك أدلة تشير إلى أن طائرة PBM Mariner ربما انفجرت في الجو؛ إذ أبلغت سفينة كانت في المنطقة عن رؤية كرة نارية في السماء في توقيت قريب من اختفائها.

أما طائرات Flight 19 الخمس، فلم يعثر حتى اليوم على أثر مؤكد لها. وتشير السجلات إلى أن ارتباكًا في تحديد الموقع والاتجاه، مع مشكلات محتملة في البوصلة وتدهور الظروف واقتراب نفاد الوقود، ربما انتهى بالطائرات إلى البحر.

أما اللحظات الأخيرة؟

فلا نعرفها.

وهذه المسافة بين ما نعرفه وما لا نعرفه أصبحت لاحقًا أرضًا مثالية للأسطورة.

ولم تكن Flight 19 الحادثة الأخيرة.

ففي يناير عام 1948، اختفت طائرة ركاب بريطانية تدعى Star Tiger وهي في طريقها إلى برمودا وعلى متنها 31 شخصًا، ولم يعثر على حطام مؤكد يفسر مصيرها.

وبعد أقل من عام، تكرر الأمر مع طائرة أخرى تابعة للشركة نفسها تدعى Star Ariel. أقلعت من برمودا متجهة إلى جامايكا وعلى متنها عشرون شخصًا، ثم انقطع الاتصال بها، ولم يعثر على الطائرة أو ناجين أو حطام مؤكد.

طائرتان من الشركة نفسها خلال عامين متتاليين.

وقبل ذلك خمس طائرات عسكرية فقدت في يوم واحد.

وقبل كل هؤلاء، سفينة كان على متنها أكثر من 300 فرد لم تصل إلى وجهتها.

كان من السهل جدًا أن يبدأ العقل في البحث عن رابط بين كل هذه الحوادث.

لكن في فبراير عام 1963، وقعت حادثة تكشف شيئًا مهمًا عن الطريقة التي يمكن أن تتحول بها الكارثة إلى أسطورة.

كانت ناقلة أمريكية تدعى Marine Sulphur Queen في طريقها من تكساس إلى فرجينيا وعلى متنها 39 رجلًا عندما فقد الاتصال بها.

لم يعثر على جسم السفينة الرئيسي ولا على أفراد طاقمها.

قصة مثالية أخرى لتضاف إلى ألغاز مثلث برمودا.

لكن عندما نفتح ملف التحقيق، تتغير الصورة.

فالسفينة لم تختف دون أي أثر؛ فقد عثر على حطام ومتعلقات منها، كما ناقش التحقيق مشكلات تتعلق بتصميم السفينة وتعديلاتها والمخاطر المرتبطة بحمولتها من الكبريت المنصهر، إلى جانب الظروف البحرية.

لم يحسم سبب نهائي واحد للكارثة، لكن القصة أصبحت أكثر من مجرد عبارة:

“دخلت المثلث… فاختفت.”

وبحلول الستينيات، كان هناك ما يكفي من السفن المفقودة والطائرات التي لم تعد والضحايا الذين لم يعثر عليهم لكي تبدو تلك الحوادث وكأن شيئًا ما يجمع بينها.

ولم يكن ينقصها سوى شيء واحد:

اسم.

وفي عام 1964، استخدم الكاتب الأمريكي فينسنت جاديس تعبير “مثلث برمودا” في مقال، لتصبح التسمية لاحقًا واحدة من أشهر الأسماء المرتبطة بالألغاز في العالم.

وفجأة أصبح للحوادث المتفرقة عنوان واحد، ومكان واحد، وقصة واحدة.

ثم جاء كتاب تشارلز برليتز The Bermuda Triangle عام 1974، وساعد على دفع الحكاية بقوة إلى الثقافة الشعبية.

ومن هنا لم تعد القصة مجرد سفن فقدت وطائرات لم تعد، بل بدأت الأسطورة تكبر.

فظهرت روايات عن بوصلة تدور بلا تفسير، وضباب غريب، واختلال في الزمن، ورحلات قيل إنها قطعت مسافات في أزمنة لا تبدو منطقية.

ثم دخلت أطلانتس إلى الحكاية.

قيل إن الحضارة الغارقة لم تختف تمامًا، وإن مصدرًا مجهولًا للطاقة في أعماق المحيط ربما يؤثر في السفن والطائرات فوقه.

ثم جاءت البوابات الزمنية، والثقوب في نسيج الواقع، والكائنات الفضائية.

وحتى “تجربة فيلادلفيا”، إحدى أشهر الأساطير العسكرية الأمريكية، وجدت طريقها إلى عالم الحكايات الغامضة. فقد انتشرت قصة تزعم أن البحرية الأمريكية أجرت خلال الحرب العالمية الثانية تجربة لإخفاء سفينة، وأنها اختفت وعادت في ظروف مرعبة، بل وصلت بعض الروايات إلى الزعم بأن أفرادًا من طاقمها اندمجوا في معدن السفينة.

قصة مذهلة.

ومخيفة.

ومثالية تمامًا لعالم مثلث برمودا.

لكن هناك مشكلة واحدة:

أين الدليل؟

لا توجد أدلة موثوقة تثبت أن تجربة فيلادلفيا حدثت بالصورة الخارقة التي روتها الأسطورة، تمامًا كما لا توجد أدلة تثبت وجود بوابة زمنية أو حضارة غارقة تتحكم في السفن والطائرات.

وهنا يظهر شيء مثير في الطريقة التي تنمو بها الأساطير.

كلما كانت القصة أكثر غرابة، أصبحت أكثر قابلية للحكي.

أما التفسيرات الواقعية، فكانت أقل إثارة بكثير:

العواصف.

الأخطاء الملاحية.

الأمواج الشديدة.

التيارات القوية.

الأعطال والمشكلات البشرية المحتملة.

لكن وجود تفسير محتمل لا يعني أننا نعرف يقينًا ما حدث في كل حادثة.

لدينا احتمالات لبعض الحوادث.

ولدينا حوادث لم نعرف أسبابها النهائية.

لكن “لا نعرف” لا تعني تلقائيًا:

“شيء خارق.”

وهنا نصل إلى أغرب جزء في الحكاية كلها.

فنحن نتحدث منذ عقود عن الأشياء التي تحدث “داخل مثلث برمودا”.

لكن أين هو هذا المثلث؟

إذا بحثنا عن خريطة رسمية له، فلن نجد واحدة.

لا توجد حدود رسمية ثابتة ومتفق عليها للمنطقة، ولا تعترف هيئة الأسماء الجغرافية الأمريكية باسم “مثلث برمودا” باعتباره اسمًا جغرافيًا رسميًا.

بعض الخرائط ترسمه بين فلوريدا وبرمودا وبورتوريكو، بينما تغير خرائط أخرى حدوده أو توسعها.

أي أن أشهر منطقة غامضة في العالم لا توجد حتى خريطة رسمية تخبرنا أين تبدأ وأين تنتهي.

وهنا ينقلب السؤال كله.

فنحن سألنا لعقود:

لماذا تختفي كل هذه السفن والطائرات داخل المثلث؟

لكن ربما كان يجب أن نسأل أولًا:

من الذي قرر أصلًا أي الحوادث تقع “داخل” المثلث؟

لأن الحوادث حدثت أولًا.

ثم جاء المثلث لاحقًا.

نحن لم نرسم منطقة محددة على الخريطة، ثم نكتشف أن عددًا غير عادي من الحوادث يتجمع داخلها.

كانت هناك حوادث متفرقة عبر عقود، ثم جمعت بعض أشهر هذه الحوادث تحت اسم واحد.

وهنا فعل العقل البشري شيئًا يجيده جيدًا.

وضع النقاط بجوار بعضها.

ثم رسم بينها خطوطًا.

ثم نظر إلى الخطوط…

ونسي أنه هو الذي رسمها.

لكن بقي سؤال مهم.

ماذا عن كل تلك الاختفاءات؟

هل تحدث فعلًا هناك بمعدل غير طبيعي؟

هنا تأتي واحدة من أقوى الضربات لأسطورة مثلث برمودا.

بحسب الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية NOAA، لا يوجد دليل على أن حالات الاختفاء الغامضة تحدث في المنطقة بمعدل أكبر من أي منطقة بحرية كبيرة ومزدحمة أخرى.

بمعنى آخر:

قد لا يكون هناك معدل استثنائي للاختفاء أصلًا.

فالمنطقة جزء من محيط هائل تعبره حركة بحرية وجوية كثيفة، وتتعرض أجزاء منه للعواصف المدارية والأعاصير، ويمر بها تيار الخليج الذي يمكنه نقل الحطام بعيدًا عن موقع الحادث.

كما توجد في غرب الأطلسي مناطق ذات أعماق هائلة.

وفي زمن لم يكن يوجد GPS، ولا أقمار صناعية ، ولا تقنيات البحث الحديثة، كان العثور على طائرة أو سفينة غرقت في المحيط أصعب بكثير مما نتصور اليوم.

المحيط لا يحتاج إلى قوة خارقة لكي يخفي شيئًا.

يكفي أحيانًا…

أن يكون محيطًا.

ومع ذلك، نحن لا نتذكر الرحلات التي مرت بسلام.

طائرة تعبر فلا قصة.

سفينة تصل إلى الميناء فلا أحد يصنع عنها فيلمًا.

آلاف الرحلات تمر دون حادث فلا نتحدث عنها.

لكن طائرة تختفي؟

نتذكرها.

سفينة لا تصل؟

نضيفها إلى القائمة.

خمس طائرات لا تعود في يوم واحد؟

هنا تبدأ الأسطورة.

حادثة حقيقية، ثم أخرى، ثم لغز لم يحل، ثم مقال، ثم كتاب، ثم فيلم، ثم أطلانتس، ثم بوابة زمنية، ثم فضائيون.

حتى كبرت أجيال كاملة وهي تعرف أن هناك مكانًا في المحيط اسمه “مثلث برمودا” قبل أن تسأل أصلًا:

هل هناك مثلث؟

وربما لهذا السبب ظلت Flight 19 أشهر قصصه.

ليس لأنها تثبت وجود قوة خارقة، بل لأنها لا تحتاج إلى أي قوة خارقة لكي تكون مخيفة.

أربعة عشر رجلًا في خمس طائرات، والسماء تظلم، والوقود ينفد، والقائد غير متأكد من مكانه، والبحر يمتد في كل اتجاه.

ثم يصمت جهاز اللاسلكي.

ماذا حدث في الدقائق الأخيرة؟ هل ظلوا يعتقدون أن اليابسة ستظهر أمامهم؟ متى أدركوا أن الوقود لن يكفي؟ وماذا قيل داخل الطائرات عندما بدأت الخيارات تختفي واحدًا تلو الآخر؟

لا نعرف.

وربما لن نعرف أبدًا.

وهنا تحديدًا تبدأ الأساطير:

عند المسافة بين ما حدث وما نستطيع إثباته.

فالإنسان لا يحب قصة بلا نهاية. نريد سببًا، ونريد إجابة، ونريد شيئًا يمكن أن نشير إليه ونقول:

هذا هو الذي فعلها.

وعندما لا يمنحنا الواقع إجابة، يصبح الخيال أكثر سخاء. يعطينا حضارة غارقة، وبوابة زمنية، وكائنات فضائية.

أي شيء…

إلا أن نقبل بأن بشرًا ربما ماتوا في مكان هائل، ولم يترك لنا البحر ما يكفي لنعرف كيف.

كل الذين اختفوا كانوا حقيقيين. كانت لهم أسماء وصور وعائلات تنتظر، ومقاعد ظلت فارغة بعدهم.

وهذا وحده يكفي لكي تكون القصة مخيفة.

لا نحتاج إلى أطلانتس.

ولا إلى بوابة زمنية.

ولا إلى قوة مجهولة تحت البحر.

فربما يكون أكثر شيء مرعب في مثلث برمودا ليس ما يوجد تحت سطح المحيط، بل ما يحدث داخل عقولنا عندما نقف أمام شيء لا نفهمه ولا نجد له إجابة.

فنحن لا نحب الفراغ.

لذلك نملؤه بقصة.

ثم نكرر القصة.

ثم نصدقها.

ثم نرسم لها حدودًا على الخريطة.

ونسميها:

مثلث برمودا.

فالاختفاءات كانت حقيقية.

أما “المثلث” نفسه؟

فقد يكون أشهر جزء في القصة…

هو الجزء الذي اخترعناه نحن.